النويري

13

نهاية الأرب في فنون الأدب

ذكر وفادة الطَّفيل بن عمرو الدّوسىّ وإسلامه قال محمد بن إسحاق رحمه اللَّه تعالى : كان الطَّفيل بن عمرو الدّوسى يحدّث أنه قدم مكَّة ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بها ، فمشى إليه رجال من قريش - وكان الطَّفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا - فقالوا له : يا طفيل ! إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، قد فرّق بين جماعتنا ، وشتّت أمرنا ، وإنما قوله كالسّحر يفرّق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنه ، ولا تسمعن منه شيئا . قال الطَّفيل : فو اللَّه ما زالوا بي حتى أجمعت على ألَّا أسمع منه شيئا ولا أكملَّه ، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا « 1 » فرقا « 2 » من أن يبلغني شئ من قوله ، وأنا لا أريد أن أسمعه « 3 » ! قال : فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قائم يصلَّى عند الكعبة ، فقمت منه قريبا ، فأبى اللَّه إلَّا أن يسمعني بعض قوله ، فسمعت كلاما حسنا ، فقلت في نفسي : واثكل أمّى ؛ واللَّه إنّى لرجل لبيب شاعر ، وما يخفى علىّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته ، قال : فمكثت حتى انصرف رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى بيته ، فاتبعته حتى إذا دخل بيته [ دخلت عليه « 4 » ] فقلت : يا محمد إنّ قومك قد قالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا - فو اللَّه ما برحوا يخوّفوننى أمرك حتى سددت أذني بكرسف ألا أسمع قولك ، ثم أبى اللَّه إلا أن يسمعني قولك ، فسمعت قولا حسنا ، فاعرض علىّ أمرك . قال :

--> « 1 » كرسفا : أي قطنا . « 2 » فرقا : أي خوفا . « 3 » في ابن سعد : « حتى كان يقال لي ذو القطنتين » . « 4 » الزيادة من سيرة ابن هشام .